الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

206

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 13 ، 14 ] [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 13 إلى 14 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ( 13 ) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ( 14 ) أعقب وصف إعراضهم وغفلتهم عن الانتفاع بهدي القرآن بتهديدهم بعذاب الدنيا إذ قد جاء في آخر هذه القصة قوله : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ [ يس : 29 ] . والضرب مجاز مشهور في معنى الوضع والجعل ، ومنه : ضرب ختمه . وضربت بيتا ، وهو هنا في الجعل وتقدم عند قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما في سورة البقرة [ 26 ] . والمعنى : اجعل أصحاب القرية والمرسلين إليهم شبها لأهل مكة وإرسالك إليهم . و لَهُمْ يجوز أن يتعلق ب اضْرِبْ أي اضرب مثلا لأجلهم ، أي لأجل أن يعتبروا كقوله تعالى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ الروم : 28 ] . ويجوز أن يكون لَهُمْ صفة ل ( مثل ) ، أي اضرب شبيها لهم كقوله تعالى : فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ [ النحل : 74 ] . والمثل : الشبيه ، فقوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا معناه ونظّر مثلا ، أي شبّه حالهم في تكذيبهم بك بشبيه من السابقين ، ولما غلب المثل في المشابه في الحال وكان الضرب أعم جعل مَثَلًا مفعولا ل اضْرِبْ ، أي نظّر حالهم بمشابه فيها فحصل الاختلاف بين اضْرِبْ ، و مَثَلًا بالاعتبار . وانتصب مَثَلًا على الحال . وانتصب أَصْحابَ الْقَرْيَةِ على البيان ل مَثَلًا ، أو بدل ، ويجوز أن يكون مفعولا أول ل اضْرِبْ و مَثَلًا مفعولا ثانيا كقوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً [ النحل : 112 ] . والمعنى : أن حال المشركين من أهل مكة كحال أصحاب القرية الممثل بهم . و الْقَرْيَةِ قال المفسرون عن ابن عباس : هي ( أنطاكية ) وهي مدينة بالشام متاخمة لبلاد اليونان . والمرسلون إليها قال قتادة : هم من الحواريين بعثهم عيسى عليه السلام وكان ذلك حين رفع عيسى . وذكروا أسماءهم على اختلاف في ذلك . وتحقيق القصة : أن عيسى عليه السلام لم يدع إلى دينه غير بني إسرائيل ولم يكن الدين الذي أرسل به إلّا تكلمة لما اقتضت الحكمة الإلهية إكماله من شريعة التوراة ، ولكن